المساء نيوز – بقلم : أيوب لطفي طالب باحث بسلك الدكتوراه في القانون الخاص، بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، جامعة القاضي عياض
في خطابه بمناسبة عيد العرش، حرص جلالة الملك محمد السادس على تقديم رؤية شاملة لمستجدات الوضع الوطني في مختلف المجالات، مع التركيز على الإنجازات المحققة والتحديات المتبقية، والتوجهات المستقبلية لضمان استمرار مسيرة التنمية. وقد جاء الخطاب في سياق وطني وإقليمي يتميز بتحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية، مما أضفى عليه طابعًا تواصليًا مباشرًا، يجمع بين التقييم والتوجيه.
افتتح جلالته الخطاب بالتأكيد على رمزية عيد العرش كمناسبة لتجديد البيعة وتقييم مسار الأمة، مشيرًا إلى أن المغرب حقق مكاسب تنموية مهمة بفضل رؤية استراتيجية واضحة واختيارات صائبة. وقد ركز في هذا الصدد على المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، حيث سلط الضوء على صمود الاقتصاد الوطني أمام الأزمات الدولية وسنوات الجفاف، مع الإشارة إلى القطاعات الصناعية التي أصبحت رافعة للنمو، مثل السيارات والطيران والطاقات المتجددة. كما ذكر المشاريع الكبرى التي تهدف إلى تعزيز البنية التحتية، مثل تمديد خط القطار الفائق السرعة، ومشاريع الأمن المائي والغذائي، مما يعكس حرص المغرب على مواكبة متطلبات التنمية المستدامة.
لكن جلالة الملك لم يقتصر على سرد الإنجازات، بل انتقل إلى التحديات الاجتماعية التي لا تزال قائمة، خاصة في مجال الحد من الفوارق المجالية. وأشار إلى أن المغرب حقق تقدمًا ملحوظًا في مؤشر التنمية البشرية، لكنه أعرب عن استيائه من استمرار معاناة بعض المناطق، لاسيما في العالم القروي، من نقص الخدمات الأساسية. وقد دعا إلى تبني مقاربة جديدة للتنمية المجالية المندمجة، تهدف إلى تحقيق عدالة ترابية فعلية، مع التركيز على أربعة محاور رئيسية: التشغيل، الخدمات الاجتماعية، التدبير المستدام للموارد المائية، والتأهيل الترابي.
وفي البعد السياسي، تطرق جلالته إلى الانتخابات التشريعية المقبلة، مؤكدًا على أهمية الإعداد الجيد لها وفتح حوار سياسي مع مختلف الفاعلين. كما خصص جزءًا مهمًا من خطابه للعلاقات المغربية الجزائرية، حيث أكد مجددًا على عمق الروابط التاريخية بين الشعبين، معربًا عن استعداد المغرب لمد اليد من أجل حوار صريح وبناء. كما أشار إلى الدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية، معتبرًا أنها الحل الواقعي والعملي للنزاع الإقليمي.
واختتم الخطاب بتحية تقدير لكل من يساهم في حماية أمن الوطن واستقراره، من القوات المسلحة والأمنية إلى الإدارات المحلية، مع استحضار ذكرى الشهداء الذين ضحوا من أجل وحدة المغرب، وفي مقدمتهم جلالة الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني.
يُعتبر هذا الخطاب مرآة تعكس رؤية القيادة المغربية للمرحلة المقبلة، حيث يجمع بين التفاؤل بالإنجازات والواقعية في معالجة التحديات. فهو ليس مجرد تقرير عن الإنجازات، بل خارطة طريق تُحدد الأولويات، سواء على المستوى الداخلي (التنمية المجالية، الانتخابات) أو الخارجي (العلاقات مع الجزائر وقضية الصحراء). وقد تميز بأسلوب واضح ومباشر، يجمع بين الخطاب الرسمي واللغة القريبة من المواطن، مما يعكس رغبة جلالة الملك في إشراك الشعب في مسيرة البناء والتنمية.
