المساء نيوز – أبو محمد إلياس
في ردها على رسالة مفتوحة وجهتها إحدى الفاعلات الجمعويات، قدّمت عمدة مدينة مراكش صورةً متكاملةً لما تعتبره “حصيلة إيجابية” لثلاث سنوات من التدبير الجماعي، متحدثة عن مشاريع عمرانية وهيكلية، وأوراش بيئية ورياضية، مدعومة بأرقام ومعطيات حول أماكن تنفيذها.
غير أن الرسالة، رغم لغتها الهادئة وطابعها التواصلي، تطرح سؤالًا جوهريًا حول التباين بين لغة الأرقام وواقع المواطنين، وبين التجميل البصري والمعيش اليومي لساكنة المدينة الحمراء.
ففي الوقت الذي تم فيه التركيز على شوارع بعينها ومشاريع نوعية داخل أحياء راقية أو فضاءات مركزية، تظل مساحات واسعة من المدينة، خاصة في أطرافها الهامشية، تعاني من هشاشة البنيات، وضعف الخدمات العمومية، وتفاوت صارخ في جودة العيش.
هل زارت السيدة العمدة أحياء مثل دوار السراغنة، المسيرة 3، دوار زرويط، العزوزية، أو المدينة العتيقة التي لا تزال بعض منازلها متضررة جراء الزلزال؟ وماذا عن مدينة تامنصورت الخاضعة لنفوذ ولاية مراكش؟
هل تم فعليًا تقييم واقع النظافة بتلك المناطق، وحالة الطرقات المهترئة، والإنارة المنعدمة في بعض الأحياء، والمساحات الخضراء الغائبة أو المهملة؟
لا يمكن لأي متابع أن يُنكر ما عرفته المدينة من تحولات في بعض فضاءاتها العامة، لكن التنمية لا تُقاس فقط بإنجاز مواقف السيارات أو النفق الأرضي أو المسرح الملكي، بل تُقاس أساسًا بمدى تمتع المواطن بتعليم جيد، ورعاية صحية قريبة، وسكن لائق، ونقل منصف، ومجال ترابي مندمج. وكلها شروط لا تزال بعيدة المنال في عدد من أحياء مراكش.
تحدثت العمدة عن الأمن الليلي وجمالية الشوارع في فصل الصيف، وهذا لا يُنكر، لكن مفهوم الأمن الشامل لا يقتصر على القدرة على التجول ليلًا دون مضايقات، بل يشمل أيضًا الإحساس بالكرامة في المستشفى، في المدرسة، وفي مصالح الجماعة، عندما يكون المواطن في مواجهة إدارة مواطِنة، لا تجربة بيروقراطية مرهقة.
كما أشادت الرسالة بمكانة مراكش العالمية على مستوى السياحة، وهو ما تؤكده الإحصائيات، لكن تظل المفارقة قائمة: هل ينعكس هذا الازدهار السياحي فعليًا على معيش المواطن المراكشي؟
هل يستفيد بائع الخضر في أحياء مثل الداوديات أو سيدي يوسف بن علي من تلك “الملايين من ليالي المبيت السياحي”؟ وهل يشعر المهني الصغير داخل المدينة العتيقة بدعم مباشر من الجماعة، أم أن هذه الفئة تظل مهمشة، بحضور محدود في السياسات التنموية؟
إن انفتاح الجماعة لا ينبغي أن يكون شعارًا شكليًا، بل ثقافة عمل مستمرة، تُقاس بمدى إشراك المواطن والمجتمع المدني في النقاش العمومي، وتمكينهم من مساءلة تدبير الشأن المحلي، بعيدًا عن لغة التهديد أو توصيفات من قبيل “التخوين” أو “الحسابات الانتخابوية” التي وردت ضمنيًا.
لا أحد يُنكر أن مراكش شهدت تحولًا ملموسًا في بعض بنياتها، لكن هذا التحول لم يكن شاملًا، ولا عادلًا من حيث التوزيع الترابي والاجتماعي.
وإذا كان من المشروع أن تفتخر الجماعة بإنجازاتها، فمن الأجدر والأكثر مشروعية أن تُصغي جيدًا لصوت النقد البنّاء، وأن تتفهم خلفياته وسياقه، بعيدًا عن ردود الأفعال الدفاعية.
مراكش ليست فقط مدينة “ملهمة” للسياح، بل هي، أولًا وأخيرًا، مدينة لمواطنيها، بكل أحيائهم، وتفاوتاتهم، وحقوقهم التي يجب أن تكون في صلب كل سياسة عمومية.
