في لحظة استثنائية تقلب الصورة النمطية للمعادلة السياسية المعهودة، حطّت طائرة عادية في رحلة خاصة بمطار أكادير المسيرة ، ليخرج منها رجل أكثر من عادي في تصرفاته، لكنه استثنائي في منصبه – إنه عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجستيك، الذي قرر، كعادته، أن يعيش لحظات مواطنته الصرفة بعيداً عن صخب “الياء المشددة” في كلمة “وزير”.
صورة أولى للمراقبين: الوزير يركب حافلة المطار مع الركاب! صورة ثانية: ينتظر دوره أمام الشرطة دون استعجال! صور ثالثة: يلتقط حقيبته من السير المتحرك كأي مسافر!
وبين هذه “الصور” المتتالية، كان المغاربة يراقبون مشهداً يكاد يكون نادراً مثل البرق الخاطف، في زمن أصبح فيه المنصب مرادفاً للامتياز، والمسؤولية قرينة الانفصال عن هموم الناس العاديين.
“هذا وزير يتصرف كإنسان قبل أن يكون مسؤولاً”، هكذا علّق أحد المواطنين على منصات التواصل الاجتماعي التي برزت فيها الإشادة بهذا السلوك الذي بات نادراً في المشهد السياسي المغربي.
لم يكن تصرف قيوح مجرد حدث عابر، بل كان درساً بليغاً في فلسفة المسؤولية. ففي رحلته الخاصة، اختار أن يتجرد من بريق المنصب ليرتدي ثوب المواطنة الخالصة، مؤكداً أن البروتوكول مرتبط بالمهمة الرسمية لا بشخص الوزير.
“بساطة ابن سوس العالمة”، “تربية الحاج علي قيوح تتجلى في ابنه”، “أصالة الهوارية المغربية العريقة”، ” الشجرة الحلوة لا تثمر إلا الثمرة الحلوة” … عبارات تناقلها المغاربة مشيدين بتواضع الرجل الذي لم يكن غريباً على من يعرفه حق المعرفة.
في المدرسة الاستقلالية التي نهل منها قيوح قيمه، وفي “الدار الكبيرة” التي ترعرع بين جنباتها، تعلم أن الوجاهة في البساطة وأن الهيبة في التواضع. تلك التربية التي جعلت منه وزيراً يتحدث إلى الناس بتلقائية، ويستمع إليهم دون حواجز.
لقد أثبت الوزير قيوح أن المسافة بين أروقة الوزارة وشوارع المواطنين ليست بالضرورة شاسعة، وأن الجسور يمكن بناؤها بتصرفات بسيطة لكنها عميقة الدلالة.
ربما يكون المشهد مجرد تفصيل صغير في يوميات وزير مشغول، لكنه أضاء شمعة في واقع سياسي يبحث عن قدوة، وأعاد تعريف معنى الخدمة العامة في أبسط تجلياتها وأصدق معانيها.
ففي زمن صارت فيه المناصب تلقائياً مخارج للإنسان من جلده الأصلي، وصار البروتوكول سوراً عالياً يفصل بين المسؤول والمواطن، خرج علينا عبد الصمد قيوح من دائرة الضوء المبهرة إلى فضاء المواطنة النقي.
ليس غريباً على ابن “الدار الكبيرة” السوسية، حيث تُعجن القيم مع طين الأرض وتُطهى مبادئ التواضع على نار هادئة في مجالس العائلة، أن يتخلى عن هالة المنصب. تلك الدار التي تشربت منها عائلة قيوح فلسفة الحياة البسيطة، حيث الجد والأب يعلّمان الأبناء أن الجاه الحقيقي في خدمة الناس لا في التعالي عليهم. ففي مطار أكادير، لم يكن يمثل دوراً، بل كان يعود إلى أصله – إلى تلك اللحظات التي كان فيها الحاج علي قيوح يغرس في نفوس أبنائه أن الكرامة في البساطة، وأن المسؤولية ثقل لا ترف. وحين اختار ركوب الحافلة مع الركاب وانتظر دوره في الطابور، لم يكن يفعل شيئاً استثنائياً في قاموسه الشخصي، بل كان يمارس ما تعلمه في دهاليز بيت العائلة العريق: أن المرء لا يستحق منصباً إن نسي أنه قبل كل شيء مواطن. هكذا، وبكل هدوء، يُسقط قيوح درساً في زمن الضجيج: الضوء الحقيقي ليس ذاك الذي يسلطه المنصب على صاحبه، بل ذاك الذي يشعه المسؤول على من حوله بتواضعه وإنسانيته. عن اشتوكة بريس بتصرف
