المساء نيوز – أبو محمد إلياس
في مشهد يومي بات أقرب إلى “الاعتياد القسري” منه إلى الظاهرة العارضة، تعيش بعض أرصفة الحي الصناعي بمدينة Marrakech حالة تحول غير معلن في الوظيفة والمصير، حيث لم تعد ممرات مخصصة للراجلين، بل تحولت تدريجياً إلى فضاءات مفتوحة لعرض قطع الغيار المستعملة، وكأن الأمر يتعلق بمعرض دائم في الهواء الطلق… بلا تنظيم، بلا تأطير، وأحياناً بلا أي اعتبار لحق المرور.
ساكنة المدينة والمرتفقون لهذا الفضاء المعروف بـ“لافيراي” يطرحون اليوم سؤالاً بسيطاً في شكله، لكنه عميق في دلالته:
هل ما زالت الأرصفة جزءاً من الملك العمومي المخصص للراجلين، أم أنها دخلت منطقة “الاستخدام الخاص غير المعلن” خارج النصوص والقوانين؟
فبين من يحاول شق طريقه وسط الرصيف، ومن يعرض “صادم أمامي” و“موتور شبه جديد”، ومن يحوّل الفضاء إلى نقطة بيع ومساومة، يجد المارة أنفسهم أمام واقع يومي مربك: السير إما في الطريق المخصص للسيارات، أو خوض مغامرة عبور وسط فوضى منظمة بشكل غير رسمي.
المثير في هذا المشهد، ليس فقط انتشار الظاهرة، بل استمراريتها وكأنها جزء من النسيج الحضري الطبيعي، رغم أن أبسط قواعد التهيئة الحضرية تقول إن الرصيف خُلق لشيء واحد واضح: أن يحمي الراجل، لا أن يتحول إلى “منصة عرض ميكانيكية”.
وبشيء من السخرية الممزوجة بالمرارة، يتساءل بعض المرتفقين: هل نحن أمام اقتصاد غير مهيكل فقط؟ أم أمام تعمير غير مهيكل؟ أم ببساطة أمام صمت إداري مهيكل يكتفي بالمشاهدة دون تدخل؟
المشكل لا يتوقف عند الجانب التنظيمي، بل يتجاوزه إلى صورة الفضاء العام داخل أحد أهم المناطق ذات الطابع الاقتصادي بالمدينة. فالحي الصناعي، باعتباره واجهة تجارية وخدماتية، يُفترض أن يعكس الحد الأدنى من التنظيم والانسيابية، غير أن أول ما يصادف الزائر اليوم ليس لافتات مهيكلة ولا فضاءات منظمة، بل امتداد غير متوازن لقطع الغيار فوق الأرصفة.
وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة يومية غير متكافئة: إما أن يسير وسط خطر المرور، أو يناور بين المعروضات، أو ينتظر فراغاً نادراً في “رصيف لم يعد رصيفاً”.
وفي انتظار تدخل يعيد الاعتبار للفضاء العمومي ويضع حداً لهذا التداخل غير المنطقي بين الحق في العمل وحق العبور، يبقى السؤال مفتوحاً، بسخرية لا تخفي جديتها:
هل الأرصفة ما زالت ملكاً للراجلين… أم أصبحت “لافيراي مفتوح” فوق القانون وتحت أعين الجميع؟
