كشفت زيارة مفاجئة قام بها مسؤول مركزي رفيع بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، مكلف بتتبع مشروع «مؤسسات الريادة»، عن اختلالات مقلقة داخل الثانوية الإعدادية مولاي رشيد بمدينة تيزنيت، وهي أول مؤسسة إعدادية مصنفة ضمن برنامج «الإعداديات الرائدة» على مستوى الإقليم، ما دفع الكاتب الجهوي للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بجهة سوس ماسة إلى المطالبة بفتح تحقيق إداري شفاف ومستعجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية والإدارية اللازمة.
وحولت هذه الزيارة، التي كان يفترض أن تكون محطة عادية للوقوف على سير تنزيل المشروع، الأنظار إلى واقع ميداني وصفه متابعون بالمقلق، بعدما كشفت عن غياب عدد من الشروط والمعايير الأساسية التي يقوم عليها هذا الورش التربوي، في تناقض واضح مع المؤشرات المرتفعة التي دأبت المديرية الإقليمية على الترويج لها في مختلف اللقاءات الرسمية.
المعطيات التي أفرزتها هذه الزيارة أعادت إلى الواجهة سؤال الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، خاصة وأن المؤسسة المعنية تمثل واجهة مشروع الريادة بالإقليم. فقد أظهرت الزيارة، وفق ما راج من معطيات، أن الواقع داخل المؤسسة لا يعكس الصورة الوردية التي تم تقديمها في التقارير والعروض الرسمية، حيث سبق أن تم تقديم تيزنيت باعتبارها من بين الأقاليم المتقدمة وطنياً في هذا المشروع، بل وجرى الحديث عن احتلالها مراتب أولى في مؤشرات التنزيل والتتبع.
وعقب هذه الزيارة مباشرة، سارعت المديرية الإقليمية إلى توجيه استفسار رسمي إلى مدير المؤسسة، تتوفر الجريدة على نسخة منه، حملته فيه مسؤولية عدد من الاختلالات المسجلة، من بينها عدم اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة بشأن بعض جداول الحصص، وتأخر تفعيل برامج الدعم المدرسي الممتد، فضلاً عن غياب بعض المحاضر المرتبطة بالمجالس التربوية والتقنية، وتأخر تنزيل مشروع المؤسسة وأنشطة جمعية دعم مدرسة النجاح. غير أن هذه الخطوة أثارت تساؤلات واسعة داخل الأوساط التعليمية، إذ اعتبرها متابعون محاولة استباقية لتحميل المسؤولية لإدارة المؤسسة وحدها، في وقت يرى فيه كثيرون أن المديرية الإقليمية، باعتبارها الجهة المشرفة على المواكبة والتتبع، تتحمل قسطاً أساسياً من المسؤولية.
الأسئلة التي فرضت نفسها بقوة بعد هذه الواقعة تتعلق أساساً بدور لجان التتبع والمواكبة التي يفترض أن تسهر على تنزيل مشروع مؤسسات الريادة. فكيف يمكن أن يتم الإعلان عن مؤشرات متقدمة ومراتب وطنية متقدمة، بينما تكشف أول زيارة مركزية عن غياب أبسط المعايير داخل أول مؤسسة رائدة بالإقليم؟ وكيف مرت هذه الاختلالات دون أن ترصدها اللجان المختصة أو المسؤولون الإقليميون الذين ظلوا يقدمون حصيلة إيجابية عن المشروع؟
في المقابل، تشير معطيات حصلت عليها الجريدة، واردة في جواب مدير المؤسسة، إلى أن عدداً من الاختلالات المسجلة لا يمكن فصلها عن مشكل عدم استقرار الموارد البشرية، نتيجة تكليفات وتنقيلات متكررة همّت أطر التدريس والإدارة نحو مؤسسات أخرى. وتفيد المعطيات ذاتها بأن المؤسسة، التي تضم حوالي 927 تلميذاً وتلميذة، تعاني من اكتظاظ واضح وخصاص في بعض المواد الأساسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تنزيل عدد من مكونات المشروع. كما أوضح جواب الإدارة أن عدداً من التدابير المتخذة كان في إطار تنفيذ توجيهات صادرة عن المصالح الإقليمية، خاصة في ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية وبرامج الدعم المدرسي.
الواقعة، التي هزت الرأي العام التعليمي بتيزنيت، أعادت طرح النقاش حول مدى نجاعة آليات تقييم المؤسسات التعليمية، وحول مصداقية المؤشرات المعتمدة في تقديم صورة عن واقع المشاريع التربوية. كما فتحت الباب أمام مطالب متزايدة بفتح تحقيق إداري شفاف ونزيه لتحديد المسؤوليات، بعيداً عن منطق البحث عن كبش فداء أو الاكتفاء بتبادل الاتهامات.
ويرى متابعون للشأن التربوي أن ما وقع لا ينبغي أن يمر كحادث إداري عابر، بل يجب أن يشكل لحظة مراجعة حقيقية لمنهجية تنزيل مشروع مؤسسات الريادة، خاصة في ما يتعلق بآليات التتبع الميداني، وتدبير الموارد البشرية، وضمان انسجام التقارير الرسمية مع الواقع داخل المؤسسات التعليمية. وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات الوصية، يبقى هذا الملف مفتوحاً على مزيد من التطورات، وسط ترقب واسع لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من إجراءات وقرارات.
