المساء نيوز – نورالدين فخاري
مع كل موسم يشهد ضغطًا استثنائيًا على خدمات النقل، تعود الأزمة ذاتها لتفرض حضورها بثقلها المعتاد، وكأن الزمن في هذا القطاع لا يتحرك إلا داخل دائرة مغلقة. مشاهد الاكتظاظ، وتعثر الجداول، وارتباك التدبير، لم تعد مجرد اختلالات ظرفية، بل تحولت إلى نمط متكرر يكشف عن أعطاب عميقة في بنية المنظومة، ويعيد طرح السؤال المؤجل: من المسؤول؟
من هنا تبدأ خيوط هذا الملف، حيث تتقاطع مؤشرات القصور بين غياب التخطيط الاستباقي، وضعف التنسيق بين مختلف المتدخلين، وافتقار المنظومة لآليات ناجعة للتدخل السريع. ففي كل مرة ترتفع فيها وتيرة الطلب، تنكشف هشاشة الاستعدادات، وتبرز محدودية الحلول الترقيعية التي تُعتمد كمسكنات مؤقتة، بدل اعتماد إصلاحات هيكلية قادرة على استباق الأزمات واحتوائها.
الأزمة، في جوهرها، لا ترتبط فقط بنقص الوسائل أو الإمكانيات، بل تعكس خللًا واضحًا في الحكامة وتوزيع الأدوار. فتعدد الجهات المتدخلة، دون وضوح في حدود المسؤولية، يخلق منطقة رمادية يصعب معها تحديد من يجب أن يُحاسب. وبين هذا التداخل، يضيع مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويتحول الصمت المؤسساتي إلى جزء من المشكلة بدل أن يكون مدخلًا للحل.
الأخطر من ذلك أن تكرار نفس السيناريو في كل مناسبة، من مواسم الأعياد إلى فترات الذروة، يكشف غياب تقييم حقيقي للتجارب السابقة. فلا تقارير معلنة للرأي العام، ولا إجراءات تصحيحية واضحة، ولا مساءلة تُذكر، وهو ما يكرس انطباعًا عامًا بأن الأزمة لم تعد استثناءً، بل أصبحت قاعدة غير معلنة في تدبير قطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
وفي ظل هذا الواقع، يجد المواطن نفسه في مواجهة مباشرة مع تداعيات هذه الاختلالات، دون قنوات فعالة للتظلم أو ضمانات كافية لحماية حقه في خدمة نقل لائقة. ومع كل أزمة جديدة، تتآكل الثقة تدريجيًا، وتتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، في مشهد يعكس أزمة ثقة بقدر ما يعكس أزمة تدبير.
إن استمرار هذا الوضع لا يمكن فصله عن غياب إرادة حقيقية لتفعيل آليات المحاسبة. فالمساءلة ليست مجرد إجراء إداري، بل هي ركيزة أساسية لضمان النجاعة والاستمرارية. وبدونها، تظل الأخطاء قابلة للتكرار، وتبقى المسؤوليات موزعة بشكل ضبابي، بما يسمح بإعادة إنتاج نفس الاختلالات في كل موسم.
أمام هذا الواقع، لم يعد طرح الأسئلة كافيًا، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى مرحلة تحديد المسؤوليات بشكل دقيق، وتفعيل آليات المحاسبة، بما يضمن عدم تكرار نفس السيناريو. فاستمرار الأزمة دون مساءلة حقيقية يكرس فقدان الثقة، ويعمق الفجوة بين الوعود والواقع.
وفي انتظار ذلك، ستظل كل مناسبة قادمة اختبارًا جديدًا لمنظومة لم تحسم بعد في أولوياتها، ولا في كيفية إدارة أزماتها، تاركة السؤال مفتوحًا: هل تتحول الأزمة إلى فرصة للإصلاح، أم تبقى عنوانًا دائمًا لغياب المحاسبة؟
