المساء نيوز – بقلم : رياض الفرطوسي
لم تولد دول الخليج الحديثة من مسار تاريخي طبيعي كما حدث في كثير من الدول، بل وُلدت من معادلة خاصة تشكلت في منتصف القرن العشرين. النفط في الأرض، الحماية الغربية في السماء، وسلطة تقليدية على الأرض. هذه المعادلة صنعت استقراراً طويلاً، لكنها في الوقت نفسه أخّرت الأسئلة الكبرى التي تواجهها الدول عادة في بداياتها، سؤال السلطة، سؤال المشاركة، وسؤال معنى الوطن نفسه.
العلاقة بين المجتمع والحاكم في الخليج لم تُبنَ على عقد سياسي واضح، بل على تفاهم غير مكتوب. الدولة توفر الرفاه الاقتصادي، الوظائف، التعليم، والسكن. في المقابل يبتعد المجتمع عن السياسة ويترك إدارة الحكم للعائلة الحاكمة. هذه الصيغة نجحت عقوداً لأنها كانت مدعومة بثروة نفطية هائلة وبمظلة أمنية غربية قوية، خصوصاً بعد الحرب الباردة.
لكن الزمن تغيّر، والعالم تغيّر معه.
جيل جديد وُلد في الخليج لا يشبه الأجيال التي سبقته. هذا الجيل لم يتشكل وعيه في قرية أو مدينة مغلقة، بل في فضاء رقمي مفتوح يرى العالم كله على شاشة هاتفه. يرى الانتخابات والبرلمانات والنقابات والجدل السياسي في كل مكان. يرى أيضاً أن الدولة الحديثة لا تقوم فقط على توزيع الثروة، بل على المشاركة في القرار.
هنا بدأت الهوة تتسع ببطء بين مجتمع يتغير بسرعة وسلطة تتحرك بحذر شديد.
في الماضي كان الاستقرار يقوم على قاعدة بسيطة، الوفرة الاقتصادية مقابل الهدوء السياسي. لكن هذه القاعدة لم تعد صلبة كما كانت. النفط لم يعد ضمانة أبدية، والاقتصادات الخليجية نفسها بدأت تبحث عن مصادر أخرى للدخل. ومع تقلص الفوائض المالية يصبح من الصعب الحفاظ على النموذج القديم الذي يقوم على شراء الاستقرار عبر الإنفاق.
لكن التحول الأخطر لم يكن اقتصادياً فقط، بل سياسياً واستراتيجياً.
منذ عقود عاشت دول الخليج تحت مظلة أمنية غربية، تقودها الولايات المتحدة. كانت القواعد العسكرية، الأساطيل البحرية، وصفقات السلاح الضخمة تشكل شبكة حماية شبه مطلقة. في المقابل حصلت واشنطن على ما تريده، تدفق النفط واستقرار أسواق الطاقة.
غير أن هذه المظلة بدأت تتغير تدريجياً.
الولايات المتحدة لم تعد ترى الشرق الأوسط مركز العالم كما كان في القرن الماضي. أولوياتها انتقلت نحو آسيا وصعود الصين، وعودة التنافس مع روسيا. وفي هذه الحسابات الجديدة لم يعد الخليج يحتل المكانة نفسها في الأمن القومي الأميركي كما كان في الماضي.
بكلمات أخرى، الحماية لم تختف تماماً لكنها لم تعد مطلقة كما كانت. أصبحت علاقة مصالح قابلة للتفاوض لا التزاماً دائماً.
هذه الحقيقة أحدثت صدمة هادئة داخل النخب الخليجية. لعقود طويلة كان الاعتقاد السائد أن المظلة الغربية ثابتة مثل الجغرافيا. لكن الحروب الأخيرة والتردد الأميركي في التدخل المباشر أظهرا أن تلك المظلة يمكن أن تنكمش في أي لحظة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
الدول التي اعتمدت طويلاً على الحماية الخارجية تجد نفسها الآن مضطرة إلى مواجهة سؤال الداخل. عندما تضعف المظلة الخارجية يصبح الاستقرار الداخلي هو خط الدفاع الأول. وليس هناك استقرار دائم بلا عقد سياسي واضح بين الدولة والمجتمع.
في هذا السياق يتحول مفهوم الوطن نفسه.
الوطن في التجربة الخليجية لم يكن دائماً مفهوماً سياسياً بالمعنى الحديث، بل كان امتداداً للعائلة الحاكمة والقبيلة والولاءات التقليدية. المواطن يحصل على الرعاية مقابل الولاء. لكن هذا النموذج بدأ يواجه حدودَه مع صعود فكرة المواطنة الحديثة.
المواطنة تعني شيئاً مختلفاً. تعني أن الدولة ليست ملكاً لعائلة أو قبيلة، بل إطار قانوني يجمع الجميع. تعني حقوقاً واضحة، ومسؤوليات واضحة أيضاً. وتعني قبل ذلك كله مشاركة في القرار العام.
هذا التحول ليس سهلاً. لأن الأنظمة التي بُنيت على شرعية تقليدية تجد صعوبة في إعادة تعريف نفسها داخل نموذج الدولة الحديثة. فتح المجال السياسي قد يثير صراعات داخل النخب الحاكمة نفسها، ويعيد توزيع القوة بطريقة لم تعتد عليها هذه الأنظمة.
لكن البديل ليس أسهل.
المجتمعات التي تشعر بأن الدولة بعيدة عنها سياسياً تبدأ بالبحث عن هويات بديلة، طائفية أو قبلية أو أيديولوجية. وعندها يصبح الاستقرار هشاً حتى لو بدا الخارج هادئاً.
التاريخ يقول شيئاً بسيطاً في هذا الشأن. الدول التي تبني مؤسسات قوية قادرة على امتصاص الأزمات. أما الدول التي تعتمد على الأشخاص أو الثروة وحدها فتبقى عرضة للاضطراب كلما تغيرت الظروف.
الخليج اليوم يقف أمام لحظة مفصلية. المظلة الخارجية لم تعد كما كانت، والجيل الجديد لم يعد كما كان، والاقتصاد نفسه يتغير.
الخيارات المطروحة ليست كثيرة. إما إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس عقد سياسي حديث يقوم على المواطنة والمؤسسات، أو الاستمرار في نموذج قديم يزداد هشاشة مع مرور الوقت.
الاستقرار الحقيقي لا تصنعه القواعد العسكرية ولا الأبراج الزجاجية. يصنعه شعور المواطن بأن هذا الوطن وطنه فعلاً، لا مجرد مساحة يعيش فيها تحت حماية السلطة.
وعندما يتشكل هذا الشعور يصبح الدفاع عن الدولة قضية مجتمع كامل، لا مهمة جيش أو حليف خارجي. عندها فقط لا تحتاج الدول إلى مظلة أحد.
