في الوقت الذي يرفع فيه المغرب شعار إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، تعيش فئة من الأطر الشابة مفارقة لافتة؛ إذ يجد خريجو تخصص “المساعدة في المجال الطبي-الاجتماعي” أنفسهم خارج دائرة الإدماج المهني، رغم تكوينهم خصيصا لسد ثغرات طالما اعتُبرت من أبرز نقاط ضعف الخدمات الصحية، وعلى رأسها المواكبة الاجتماعية والنفسية للمرضى والفئات الهشة.
هذه الوضعية، التي يصفها المعنيون بـ”غير المنطقية”، تطرح سؤالا جوهريا حول مدى انسجام سياسات التكوين مع سياسات التشغيل، خاصة عندما يتحول تخصص أُنشئ لدعم المنظومة الصحية إلى مصدر بطالة جديدة داخل قطاع يعاني أصلا من خصاص في الموارد البشرية.
وفق المعطيات التي قدمها الخريجون، بلغت نسبة البطالة في صفوفهم حوالي 56 في المائة، أي ما يقارب 100 خريج بدون عمل، في انتظار التحاق دفعات جديدة بسوق شغل محدود الفرص. وهو ما يجعل الأزمة مرشحة للتفاقم، في غياب إجراءات استباقية قادرة على استيعاب هذه الكفاءات.
ولا يتعلق الأمر، حسب تعبيرهم، بمجرد مطلب فئوي، بل بإشكال بنيوي يعكس خللا في التخطيط، حيث يتم تخريج أطر متخصصة دون توفير الإطار الوظيفي والمؤسساتي الكفيل بإدماجها، ما يفرغ التكوين من أهدافه الاستراتيجية.
ويُعد تخصص المساعدة في المجال الطبي-الاجتماعي من التخصصات الحديثة التي تجمع بين المعرفة الصحية والتدخل الاجتماعي، إذ يُفترض أن يضطلع خريجوه بأدوار أساسية داخل المستشفيات والمراكز الصحية، من خلال مواكبة المرضى، وتسهيل اندماجهم في المسار العلاجي، ودعم ضحايا الهشاشة والعنف، والمساهمة في تحسين العلاقة بين المؤسسة الصحية ومرتفقِيها.
غير أن غياب مناصب مالية مخصصة لهذا الإطار المهني جعل هذه الكفاءات، بحسب الخريجين، خارج المنظومة التي تكوّنوا لخدمتها، في وقت تتجه فيه السياسات الصحية عالميًا نحو اعتماد مقاربة شمولية تجعل البعد الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من العلاج.
الخريجون لم يكتفوا بالمطالبة بفرص الشغل، بل دعوا إلى مراجعة شاملة لطريقة تدبير هذا التخصص، عبر تنظيم مباراة توظيف استثنائية تشمل جميع الأفواج قبل تخرج دفعة 2026، وتخصيص مناصب مالية مستعجلة تستجيب لحاجيات القطاع.
كما شددوا على ضرورة ربط التكوين بالتخطيط المسبق للموارد البشرية، بما يضمن التوازن بين عدد الخريجين والفرص المهنية المتاحة، تفاديًا لتكرار سيناريو التخصصات التي تتحول إلى مسارات جامعية بلا آفاق واضحة.
ومن بين المقترحات المطروحة أيضًا، إحداث خلايا اجتماعية داخل المؤسسات الصحية تُعنى بمواكبة ضحايا العنف من النساء والأطفال، وتعزيز حضور هذه الفئة داخل المراكز الصحية بالعالم القروي ومراكز التشخيص والتأهيل، حيث تبرز الحاجة إلى المقاربة الاجتماعية بشكل أكبر.
ويرى الخريجون أن الرهان الأساسي يبقى على القطاع الصحي العمومي، باعتباره المجال الأكثر قدرة على استيعاب هذا الإطار المهني، في ظل محدودية فرص التشغيل داخل القطاع الخاص وغياب إطار قانوني واضح يُنظم مهامهم ويضمن إدماجهم.
وتعيد هذه الوضعية إلى الواجهة إشكالية أعمق تتعلق بتدبير الموارد البشرية في قطاع الصحة، حيث لا يكفي توسيع العرض التكويني دون مواكبته بسياسات تشغيل واضحة، قادرة على تحويل الاستثمار في التكوين إلى قيمة مضافة فعلية داخل المرافق العمومية.
اليوم، يقف خريجو “المساعدة في المجال الطبي-الاجتماعي” عند مفترق طرق: بين تكوين متخصص يعكس طموح تحديث المنظومة الصحية، وواقع مهني يهدد بتحويل هذا الطموح إلى أزمة اجتماعية جديدة. وبين هذين المعطيين، يظل السؤال مطروحًا: كيف يمكن الحديث عن إصلاح صحي شامل دون إدماج الأطر التي أُعدّت أساسًا لإنجاحه؟
إنها، في نظر المتابعين، لحظة اختبار حقيقية لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق الالتقائية بين التكوين والتشغيل، وبين الخطاب الإصلاحي والتنزيل الميداني، بما يضمن إنصاف الكفاءات الشابة ويعزز جودة الخدمات الصحية في آن واحد .
