تعيش جماعة تسينت في السنوات الأخيرة على وقع تحولات متسارعة جعلت منها أحد المراكز المحلية الصاعدة داخل محيطها الترابي، حيث بدأت ملامح دينامية اجتماعية واقتصادية تتشكل تدريجيا بفعل موقعها الجغرافي وحركيتها التجارية المتنامية، إلى جانب تزايد الطلب على السكن والخدمات الأساسية. غير أن هذا المسار الصاعد يواجه في المقابل تحديات بنيوية ما تزال تؤثر على وتيرة التنمية المنشودة.
فالمراكز الصاعدة لا تُقاس فقط بحجم النمو الديمغرافي أو بالحركية التجارية، بل بمدى قدرتها على توفير بيئة قانونية وتنظيمية محفزة للاستثمار والتنمية. وفي هذا السياق، يبرز ملف أراضي ذوي الحقوق بمركز تسينت كأحد أبرز الإشكالات التي ظلت عالقة لأزيد من عقدين، ما ساهم في تعطيل استغلال رصيد عقاري مهم كان من الممكن أن يشكل رافعة حقيقية للإقلاع الاقتصادي والعمراني.
وقد أدى استمرار هذا التعثر إلى بروز مفارقة واضحة: منطقة تتوفر على مؤهلات واعدة للنمو، لكنها تواجه قيودا مرتبطة بعدم وضوح الوضعية العقارية، الأمر الذي ينعكس على مشاريع الاستثمار والتخطيط العمراني المنظم. فغياب الحسم في مثل هذه الملفات غالبا ما يفتح المجال أمام توسع عمراني غير منظم ويؤجل إطلاق مبادرات اقتصادية قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين مستوى العيش.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن تسينت تقف اليوم عند مرحلة انتقالية دقيقة، بين واقع قروي تقليدي يتغير تدريجيا، وطموح للتحول إلى مركز شبه حضري قادر على لعب أدوار تنموية أكبر داخل الإقليم. غير أن نجاح هذا التحول يبقى رهينا بتسريع معالجة الملفات الهيكلية، واعتماد مقاربة تشاركية تجمع مختلف المتدخلين وتضع مصلحة الساكنة والتنمية المحلية في صلب الأولويات.
كما أن الرهان الحقيقي لا يقتصر على تسوية وضعية عقارية فحسب، بل يتجاوز ذلك نحو بناء رؤية تنموية متكاملة تقوم على التخطيط الاستباقي، وتأهيل البنيات التحتية، وتشجيع الاستثمار المحلي، بما يسمح بتحويل المؤهلات الطبيعية والبشرية التي تزخر بها المنطقة إلى مشاريع ملموسة ذات أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي ظل التحولات التي تعرفها العديد من المراكز الترابية بالمغرب، تبدو تسينت أمام فرصة تاريخية للانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الفعل التنموي الحقيقي. فحسم الملفات العالقة، وعلى رأسها ملف أراضي ذوي الحقوق، لن يشكل فقط إنصافا قانونيا واجتماعيا، بل سيكون نقطة انطلاق نحو نموذج تنموي محلي قادر على استعادة الثقة وفتح آفاق جديدة أمام الأجيال القادمة، حتى تتحول صفة “المركز الصاعد” من مجرد توصيف نظري إلى واقع تنموي ملموس يشعر به الجميع.
