المساء نيوز- نورالدين فخاري
يخوض الإنسان مسيرة معقّدة تجمع بين هدوء عالمه الداخلي وصخب محيطه الخارجي. ففي داخله أحلام كبيرة، وطموحات سامية، وإيمان راسخ بالقيم والمبادئ. وفي الخارج، يقف واقع صعب مليء بالتحديات والعقبات الاجتماعية والاقتصادية، ليصنع صراعا دائما بين ما نطمح إليه وما تفرضه علينا الظروف.
منذ الطفولة، نحمل في أعماقنا أهدافا بسيطة في ظاهرها، لكنها نبيلة وعميقة في جوهرها: أن نؤدي صلاتنا بإخلاص، وأن نعيش قيم ديننا بصدق، وأن نجتهد في عملنا ونحقق ذواتنا، ثم نتزوج ونبني أسرة ونستقر. كانت هذه الأحلام تمثل لنا يوما قمة الحياة، وغاية المسار، وأفقا نعتقد أننا سنبلغه مهما طال الزمن.
ومع مرور السنوات واحتكاكنا بواقع الحياة، نكتشف أن الطريق ليس مفروشاً بالورود. فالمجتمع بقسوته، والظروف الاقتصادية المتقلّبة، وصعوبات العيش، كلها عوامل تتدخل لتعرقل المسار، وتبطئ الخطى نحو الطموحات. لم يعد أداء الصلاة أو التمسك بالدين صعبا في ذاته، لكن الحفاظ على صفاء النية وسط ضجيج الحياة بات تحديا يوميا. أما العمل، والزواج، وبناء أسرة مستقرة، فصارت أهدافا تتطلب نضالا طويلا، وصبرا كبيرا، وأحيانا تنازلات مؤلمة.
هذه التحديات تفتح الباب أمام أسئلة وجودية تفرض نفسها بقوة: ما الحل؟ وما المصير؟ هل نواصل المحاولة رغم كل العراقيل؟ أم نستسلم لواقع يزداد ضيقا ونعيش حياة باهتة في انتظار المجهول؟ هذه الأسئلة ليست حكرا على فرد بعينه، بل تشغل بال فئة واسعة من الشباب، خاصة في مجتمعات لا توفر دائما بيئة ملائمة للنجاح أو حتى لحياة كريمة.
ومع ذلك، يبقى في الداخل بصيص نور لا ينطفئ. فالإيمان الحقيقي لا يموت، والطموح الإنساني لا يختفي بسهولة. قد يمر الإنسان بلحظات انكسار ويأس، لكنه حين يعود إلى ذاته يدرك أن الاستسلام للواقع هو نوع من الموت البطيء. لذلك، يصبح السعي رغم الصعوبات هو الخيار الأكثر حكمة، لا لأن الطريق ميسّر، بل لأن المحاولة وحدها تمنح للحياة معناها، وتبقي جذوة الأمل متقدة.
في النهاية، تظل الحياة صراعا مستمرا بين ما نحلم به وما يفرضه علينا الواقع. وبين هذا وذاك، ينبغي للإنسان ألا يفقد إيمانه بنفسه ولا قدرته على التغيير. قد تكون الظروف قاسية، وقد يعجز المجتمع عن دعم أحلامنا، لكن الإنسان يظل قادرا على المقاومة، وعلى إعادة رسم أهدافه بما ينسجم مع إمكانياته وظروفه، دون أن يتخلى عن جوهر أحلامه.
