المساء نيوز – بقلم: نور الدين فخاري
في واحدة من أكثر اللحظات توتراً وتعقيداً في تاريخ المغرب الحديث، وجدت الحكومة نفسها في قلب العاصفة، بعد أن اختارت الصمت – أو ما يشبهه – أمام تصاعد موجة الغضب الشعبي التي قادتها حركة “Z212”، تاركة الشارع يغلي والإعلام يبحث عن إجابات في غياب المسؤولين.
ومع تفاقم التوتر، بدت السلطة التنفيذية في موقع دفاعي هشّ، دون خطاب واضح، ودون استراتيجية تواصلية قادرة على الإقناع أو التهدئة.
ورغم محاولات إنقاذ الموقف عبر ظهور ثلاثة وزراء على القنوات التلفزية لشرح وجهة نظر الحكومة، إلا أن تلك الإطلالات لم تنجح في تهدئة الشارع، بل زادت من اتساع فجوة الثقة بين الحكومة والرأي العام.
فقد ظهر الوزير عبد الجبار الراشيدي على قناة دوزيم في حوار لم يفلح في إقناع حتى أقرب المتعاطفين مع الحكومة، حيث بدا وكأنه يحاول إقناع نفسه أكثر من إقناع المشاهدين.
أما الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس، فاختار أسلوب الهجوم بدل التواصل، حين اتهم الصحفي نوفل العواملة خلال استضافته في ميدي 1 تيفي بتمثيل “جيل Z”، متجاهلاً أن الأسئلة الموجهة إليه كانت في الأصل صدىً لتساؤلات الشارع.
تحوّل اللقاء إلى مواجهة شخصية افتقرت للحرفية السياسية ولأبسط قواعد التواصل المؤسساتي.
في حين أثار وزير العدل عبد اللطيف وهبي جدلاً واسعاً بعد تصريحه لقناتي العربية وسكاي نيوز عربية، حيث قال إن “المظاهرات لا تُسقط الحكومات، وحده الدستور يفعل”.
وقد اعتبر كثيرون هذا التصريح استخفافاً بمشاعر الغضب الشعبي وتعالياً على المطالب الاجتماعية، وكأن الدستور يُستعمل لتكميم صوت الناس بدل أن يكون أداة لتجسيد إرادتهم.
غير أن المفارقة الصادمة لم تأت من السياسيين فحسب، بل من الإعلام نفسه.
فقد فجّرت الصحفية سناء رحيمي على قناة دوزيم مفاجأة مدوية حين كشفت أن عدداً من الوزراء رفضوا الرد على اتصالاتها وأغلقوا هواتفهم، في تصرف يعكس حالة انغلاق غير مسبوقة في علاقة الحكومة بالإعلام.
تلك المشاهد العبثية تكشف بوضوح عمق الأزمة: حكومة في القرن الحادي والعشرين تتعامل مع الإعلام كخصم، لا كشريك في صناعة الوعي العام.
وفي وقت أصبح فيه التواصل ركيزة من ركائز الحكم الرشيد، اختارت السلطة أن تدير ظهرها لأداة هي في الأصل وسيلة للتقريب لا للتباعد.
لقد خسرت الحكومة معركة الشارع، ومعها معركة الصورة والتواصل.
وفي زمن تتحرك فيه المجتمعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أكثر مما تفعل عبر صناديق الاقتراع، تبدو هذه الخسارة فادحة ومكلفة على المدى البعيد.
الدرس واضح ومجاني:
حين تنهار قنوات التواصل بين السلطة والإعلام، يذهب المواطن إلى الشارع أو إلى الفضاء الرقمي ليعبّر عن نفسه، وهناك يبدأ الكلام بصوت عالٍ… ولا أحد يستطيع بعد ذلك أن يتحكم في إيقاعه أو وجهته.
