المساء نيوز – بقلم: نور الدين فخاري
جيل Z ليس جيل الفوضى كما يُقدَّم في بعض الخطابات، بل هو جيل الأسئلة الصعبة، جيل يواجه واقعًا متناقضًا بين وعود التنمية وشعورٍ متزايد بالخذلان. فالشباب اليوم لا يطلب المستحيل، بل ما وعد به الدستور والقانون: عدالة، كرامة، وفرصة حياة تليق بالإنسان. لكن حين تتأخر الاستجابة، تنشأ المفارقات، ويتحوّل الأمل إلى غضب.
إن ما وقع خلال الحراك الأخير في المغرب ليس سوى مرآة تعكس عمق الخلل في العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين يغيب التواصل الحقيقي، يتسلل سوء الفهم، ويتحوّل الاحتجاج السلمي في بعض الأحيان إلى فوضى تُغذيها الإحباطات المتراكمة. غير أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، لأن الفساد لم يعد حكرًا على المؤسسات الرسمية، بل صار ثقافة تتسرّب إلى تفاصيل الحياة اليومية، من المدرسة إلى الجامعة، ومن الإدارة إلى الشارع.
جيل اليوم هو نتاج سياسات عمومية لم تنجح في احتواء تطلعاته ولا في استثمار طاقاته. يعيش هذا الجيل في مفارقة مؤلمة: يسمع عن القيم والمواطنة في الخطب، لكنه يرى في الواقع أن الطريق إلى النجاح تمرّ عبر الزبونية والمحسوبية. وبين المثال والواقع، تتولد حالة من التمرّد، أحيانًا بنوايا نبيلة، وأحيانًا بانفلاتٍ يسيء إلى جوهر المطالب العادلة.
لكن أخطر ما في المرحلة ليس وجود الفساد في ذاته، بل تعميمه وتبريره. فكما أن في الدولة مسؤولين شرفاء يؤدون واجبهم بضمير حي، فإن في الشارع أيضًا مناضلين صادقين لا يرضخون للفوضى ولا للاستغلال. لذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الشعب والدولة، بل بين الفساد والنزاهة داخل كل طرف منهما.
لقد آن الأوان لننتقل من مرحلة اتهام الآخر إلى مرحلة محاسبة الذات. الإصلاح لا يكون فقط بالقوانين، بل بترميم الثقة بين المواطن والدولة، وإعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية كقاعدة لأي مشروع تنموي. المطلوب اليوم “حراك داخل الحراك”، حراك أخلاقي هادئ يعيد ضبط البوصلة، ويجعل من الشفافية والمسؤولية قاعدة للممارسة، لا شعارًا للاستهلاك.
جيل Z لا يطلب أكثر من أن يُسمع صوته بإنصاف، وأن يُمنح الأمل في مستقبلٍ يليق بذكائه وطموحه. وإذا كانت الدولة تراهن على التنمية، فإن أول استثمارٍ حقيقي يجب أن يكون في الثقة… لأن الأوطان لا تُبنى بالغضب، بل بالشراكة في الأمل.
