المساء نيوز – هيئة التحرير
بين شعاب جبال الأطلس الصغير، وعلى منعرجات وعرة تؤنسها بيوت شامخة شيدها أبناء المنطقة، تنتصب المدرسة العتيقة إيكضي كأقدم صرح علمي بقبائل إداوسملال وأنزي. منذ أزيد من قرن، ظل هذا المعهد الرباني يفتح أبوابه لطلاب القرآن وعلوم الشريعة، واضعًا على عاتقه رسالة العلم والتهذيب وحفظ الهوية الدينية والثقافية للجنوب المغربي.
في صباح الأحد 13 يوليوز 2025، انطلقتُ من زاوية تزنيت رفقة شقيقي الحاج أحمد والعالمين سي إبراهيم وسي محمد أحمّو الرخاوي، قاصدين إيكضي. في الطريق مررنا بدوار عين إبراهيم أصالح، حيث استقر جدّي محمد فاضل ولد سالم بداية القرن الماضي، ووقفنا على أطلال منازله شاهدةً على تاريخ عريق.

ما إن بلغنا مركز أنزي – الذي ظل «بين القرية والمدينة» رغم إصلاحات طفيفة – حتى انسابت إلى الذاكرة ذكريات فترة التدريب الإداري سنة 1977، وأسماء رجال سلطة وشخصيات بصمت المكان، قبل أن نواصل المسير صوب ضريح جدنا سيدي عامر الهامل أبي السباع بجبل أضاݣ مدن، غير بعيد عن مدرسة تنالت الشهيرة.
على سفحٍ وعرٍ، تطالعك بنايتان متجاورتان: المدرسة العتيقة القديمة التي رُمِّمت مرارًا، والمركب الجديد بمساطبه الرحبة وقاعاته المؤثثة. هنا يقيم أكثر من 600 طالب توفر لهم المدرسة طعامًا ومأوى وتعليمًا يتدرج من حفظ كتاب الله إلى التبحّر في الفقه، الأصول، والمنطق.
ويتولى الإشراف الفقيه الحاج إبراهيم الرايس، أحد أبرز علماء المنطقة، الذي وُشِّح بأوسمة ملكية من الراحل الحسن الثاني وجلالة الملك محمد السادس تقديرًا لخدماته الجليلة. يسانده نجله الأكبر سيدي عبد الله الرايس، الذي أدخل أساليب تدريس حديثة، وحشد دعم رجال الأعمال المنحدرين من أنزي والمقيمين داخل المغرب وخارجه، حتى غدت المدرسة مقصدًا للعلماء وطلبة العلم من كل صوب.
«إيكضي هي مدرسة الخير والبركة وقضاء الحاجات»، هكذا يجزم أهل سوس، وهم يتحدثون عن كرم الفقيه عبد الله الذي يجود على زواره علمًا وعطاءً. ولم تثبت على ذلك واقعة أبلغ من إرساله – في اليوم ذاته – نسخة فاخرة من كتاب فتح الفاتح على مختصر خليل إلى الشيخ باه، فقيه المدرسة النباغية بموريتانيا، نزولًا عند طلبٍ عارض خلال معرض الكتاب.
شهدت رحلتنا حفل تكريم الفقيه الحاج إبراهيم الرايس، حيث اكتظّت قاعة المحاضرات بالحضور. جلسنا، بأمرٍ كريم من الفقيه عبد الله، في الصف الأمامي نستمع لكلمات وازنة ألقاها رئيسا المجلسين العلميَيْن الجهوي والمحلي، أشادا فيها بسيرة المُحتفى به وبصماته في صون الموروث العلمي الأصيل.
وإن كانت حسرتي الوحيدة غياب كلمة الابن البار في حق والده، فإن المبادرة في حد ذاتها سنة حميدة يتعيّن على المدارس العلمية العتيقة في عموم المملكة الاحتذاء بها: تكريم العلماء في حياتهم، لتشجيعهم ومكافأتهم على عطائهم.
أعقب الحفل فطور بدويّ أصيل من خبز الشعير، العسل «أملّو» والشاي المنعنع، ثم غداء جماعي بعد صلاة الظهر: طاجين بقر مُبْهر، وبركوكش بـ«أملّو» وفواكه طازجة؛ ضيافة تجلّت فيها قيم السخاء التي تُنشَر في هذه الربوع يومًا بعد آخر.
ليس غريبًا أن يُنسب إلى مدارس القرآن والعلم هذه الفضل في حفظ المغرب من المكاره، وهي التي يُتلى فيها الذكر الحكيم صباح مساء، ويُقرأ الحزب الراتب وتُرفَع الأدعية المأثورة. فحيثما عُمِّرت المؤسسات الروحية، حلّ الأمن الروحي والاستقرار الاجتماعي.
تبقى مدرسة إيكضي العتيقة نموذجًا حيًّا لكيفية استثمار حبّ الوطن والعلم والورع في خدمة التنمية الروحية والبشرية، وسط فضاءٍ جبليٍّ شديد القسوة، صاغته سواعد أبنائه المنتشرين في كبريات الحواضر المغربية والعالم.
حفظ الله هذا الصرح وأهله، وجعله منارةً للعلم والإحسان، وحفظ المغرب وأهله من كل سوء
