أثارت الأبحاث المهتمة بديناميات الفاعلين الدينيين نقاشا واسعا بين الباحثين المشتغلين على النشاط الديني في المغرب، واتسمت الدراسات التي قاربت تمفصلات هذا الموضوع بالاشتغال على مستويات بعينها من مستويات النشاط الديني، ما فوت عليها فرصة امتلاك رؤية موسعة عن حقل دينامي، وعن منظومة دينية متعددة عالقة بالتاريخ ومرتبطة بالاجتماعي والثقافي، غير متعالية عن الأوضاع الاجتماعية، وعن ترسبات الذاكرة والتاريخ، وغير منفصلة عن إرغامات الماضي والتباسات المعيش، وظلت تلك الأبحاث بهذا القدر أو ذاك تعتمد مفهوما ورؤية للإسلام تعتبر فيها الدين مطلقا ونهائيا وناجزا، ما يجعل وشائجها الرمزية المضمرة ببداهات الحقل الديني تحكم رؤيتها، وذلك في تركيزها على الدين المعياري، وقد أدت حيوية اشتغال هذه الروابط إلى تقليص مجال الرؤية وتسييج موضوع هذه الدراسات، ما أدى إلى أثر فعلي تمثل في عدم اقتحام بياضات خصيبة وهوامش مغايرة لمألوف البحث السوسيولوجي ولسائد الدراسات في العلوم السياسية.
فبالرغم من كون النشاط الديني ينطوي على تعدد الفاعلين وتباين مستويات التحقق، فإن هذه المستويات – في اعتقادنا- ذات طابع تفاعلي، لذلك نفترض أن حضور الإسلام في المغرب حضور متعدد، ويتمثل هذا التعدد في وجود ثلاث تشكيلات خطابية نميز فيها بين الإسلام الرسمي الذي يحيل على جملة التصورات والممارسات والسياسات الدينية المقننة بجهاز ديني رسمي بوصفه جهازا رئيسا وبأجهزة أخرى من أجهزة الدولة بوصفها أجهزة مساعدة، وتتمثل التشكيلة الثانية في الإسلام السياسي بما هو جملة الخطابات والممارسات والتعبيرات والتنظيمات المشتبكة بعلاقات السلطة، ويندرج ضمن التشكيلة الثالثة الموسومة بالإسلام الشعبي كل الممارسات الدينية الشعبية المرتبطة بالمجتمع والمتشكلة من التراث المكتوب والإرث الشفهي والمستبطنة لمسارات الوعي الاجتماعي ومسالك البحث عن المعنى والموجهة بالأطر الثقافية والأنساق الثقافية الفاعلة في المجتمع، بشكل جعل منها طرسا تتفاعل فيه الذاكرة والتاريخ، ويتصادى فيه الماضي والحاضر.
نعتقد أن الانطلاق من هذا المفهوم الموسع للنشاط الديني في المغرب من شأنه أن يمكننا من الاقتراب من حقل دينامي تتجاذبه عناصر الثبات وعناصر التحول، إنها رغبة في الانتقال بالنشاط الديني من ضيق المستوى الواحد إلى رحابة البحث في مستويات لها صلة بفاعلين دينيين غفل، ولئن كان تخصيص السؤال حول مستوى بعينه؛ يسهم في تدقيق النظر، فإن هذا المنحى لا يمكن أن يحل محل رؤية موسعة تستحضر الأبعاد المختلفة للنشاط الديني، وهذا ما تبين لنا بعد عقد من الاشتغال على الحركات السلفية في كتابنا “الحركات السلفية في المغرب: بحث أنثروبولوجي سوسيولوجي” إذ بدا لنا أن السلفية والسلفيين بوصفهم فاعلين دينيين في المغرب، لم تكن تتحرك في فضاء معزول، ذلك أن تفسير تحولاتها ومستوى انغراسها الشعبي وتبين حواضنها، لا يمكن أن يكون ذا مصداقية علمية دون استحضار مجمل المستويات الأخرى المشكلة لفسيفساء النشاط الديني في المغرب، لقد أثار انتباهنا انطلاقا من الاهتمام بالحركة السلفية قدرتها على اختراق المجال التداولي لخطابات تتسم المسافة بينها وبينه بالتباعد كالخطاب الحقوقي، ولئن صح هذا الترابط، فإن نفي تفاعلها مع تشكيلات خطابية ومستويات تنتسب للنشاط الديني، أمر غير ممكن.
وهو ما جعل اهتمامنا بداية من العقد الثاني من الألفية الجديدة ينصب على دراسة تحولات الفاعلين الدينيين من منظور موسع ينطلق من مسلمة التفاعل بوصفها بالدرجة الأولى سمة مميزة للاجتماع البشري
