من 1.5 إلى 4.5 ملايير سنتيم.. مشروع تفويت القطاع للخواص يفتح باب “فخ اللاعودة” ويحدث شرخاً بالأغلبية المسيرة وسط غضب مدني، حيث فجر مشروع التدبير المفوض لقطاع النظافة بالجماعة الترابية لأيت ملول 2026 موجة حادة من الجدل السياسي والجمعوي، عقب الكشف عن الميزانية المخصصة لهذا المشروع والتي جرى تحديدها في رقم قياسي يبلغ 4 ملايير و500 مليون.
وتأتي هذه القفزة المالية لتشكل زيادة بثلاثة أضعاف مقارنة بالميزانية السنوية للقطاع التي رُصدت في أول تقرير تفصيلي أعده نائب رئيس في مجلس الحسين العسري و المكلف بالأشغال وتدبير المرافق سنة 2019، والتي لم تكن تتجاوز حينها مليار و500 مليون.
وتثير هذه الفوارق المالية الشاسعة، التي تقدر بزيادة ثلاثة ملايير سنتيم، أسئلة حارقة لدى الرأي العام المحلي حول الجدوى الاقتصادية والمالية لنقل التدبير إلى القطاع الخاص. ففي الوقت الذي كان فيه مبلغ يعادل مليار و500 مليون سنتيم كافياً لإدارة المرفق بشكل كامل وبتدبير مباشر يشمل تكاليف الموارد البشرية، وميزانية تجديد الأسطول وإصلاحه، وأداء فواتير المطرح العمومي ومبالغ المحروقات والزيوت ولوازم النظافة، وكراء الآليات، يتساءل الملاحظون عن الدوافع المفصلية التي تجعل الجماعة تتجه لربط المرفق بآليات الخوصصة بكلفة مضاعفة ثلاث مرات، في ظل تجارب التدبير المفوض بعدد من المدن المغربية والتي انتهت بتراجع مستوى نظافة الأزقة والشوارع مع محدوديات التدخل واستنزاف مالية الجماعات لصالح أرباح الشركات.
وحسب قراءات وملاحظات الخبراء لمسار التحول، فإن الانتقال من التدبير المباشر إلى التدبير المفوض لا يشكل مجرد خيار إداري أو تنظيمي عابر، بل يتجاوزه إلى نقطة تحول استراتيجية قد تحرم الجماعة من القدرة على التراجع مستقبلاً. ففي حال الوقوف على تعثر أو فشل سياسة التدبير المفوض، ستجد الجماعة نفسها في موقف عجز تام عن العودة إلى خيار التدبير المباشر؛ نظرًا لتصفية أو تهالك أسطولها الخاص، وتشتت الموارد البشرية الكفؤة والمدربة التي راكمت تجارب وخبرة كبيرة عبر السنوات. ويعتبر هذا البعد السبب الحقيقي والمخفي الذي يغفله مدبرو الشأن العام حين يسلمون المرفق للقطاع الخاص دون دراسة مخاطر فقدان الاستقلالية اللوجستية والنجاعة الذاتية.
كما يأتي الإصرار على إقرار ميزانية الـ 4.5 ملايير في ظل سياق محلي متوتر يتسم بتجاهل مواقف فعاليات المجتمع المدني التي عبرت عن رفضها لخيار الخوصصة، وتمسكها بالتدبير المباشر لضمان الشفافية وحماية المال العام دون إقحام لوسائط مستفيدة. وقد تسبب هذا الإصرار في حدوث تصدع واضح داخل المكونات المشكلة للأغلبية المسيرة، يتوزع بين تيار منتقد ورافض صراحة لكلفة التفويت الباهظة، وفئة أخرى فضلت الوقوف في المنطقة الرمادية بدون رأي معلن، مما يكرس حالة التخبط السياسي في التعاطي مع هذا الملف الحيوي.
وتزداد علامات الاستفهام تعقيداً بالنظر إلى تجربة مدينة أكادير المجاورة؛ فرغم أن أكادير تتجاوز أيت ملول بأضعاف على مستوى الميزانية والمساحة الجغرافية والكثافة السكانية، إلا أنها لا تزال تتمسك بالتدبير المباشر لقطاع النظافة دون اللجوء للشركات الخاصة، ناجحة في تحقيق نتائج ميدانية ملموسة مع صيانة مواردها المالية من الهدر. ويؤكد المتابعون أن ميزانية الـ 15 مليون درهم السابقة تحت نظام التدبير المباشر تميزت بشموليتها واستيعابها لكافة الخدمات الميدانية، من الجمع المنتظم للنفايات المنزلية والهامدة والصناعية، ومعالجة نفايات الحدائق، والتدخل المستمر للقضاء على النقط السوداء، فضلاً عن التكفل الكامل بتمويل وتأطير الحملات الاستثنائية والتحسيسية.
يضع مشروع تفويت قطاع النظافة بميزانية 4.5 ملايير سنتيم جماعة أيت ملول أمام امتحان حقيقي للحكامة والمسؤولية في تدبير المال العام. فبدلاً من الاندفاع نحو خيار يسلب الجماعة إمكانياتها ويستنزف ماليتها، يتطلع الرأي العام المحلي إلى رفض خيار التفويت، ويطالب المسؤولين بتقديم الاعتراف بالفشل في تدبير القطاع والهروب إلى حلول الاستنزاف المالي، بدلاً من ضخ تلك الميزانيات بشكل مباشر في تحديث أسطول النظافة الجماعي، وتطوير الكفاءات البشرية، وتوفير فرص الشغل المحلية، بما يضمن عائداً استثمارياً سريعاً وإيجابياً على بيئة المدينة وساكنتها














